القات أفيون اليمن... من عادة إلى قضية وطن

السبت, 28 مارس, 2026

لا تُدمَّر الأوطان بالحروب وحدها، فهناك دمار أشد يحدث بصمت... تآكل من الداخل، بعوامل ذاتية، يهدد المصير ويقوّض المستقبل دون أن نشعر.

اليمن لا يواجه أزمة عابرة، وإنما أزمة وعي وسلوك. حين يصبح توفير، بأي ثمن، حقّ "ولعة القات" هو المنى والهمّ الأكبر، وأن أجمل ساعات اليوم هي تلك التي تُقضى في تعاطي هذه النبتة، بينما يضيع الوقت الذي يمكن أن يُستثمر في العلم والعمل وتطوير النفس، فهنا لم تعد المشكلة عادةً اجتماعية، بل قضية وطن وكارثة مجتمعية حقيقية تستوجب دقّ ناقوس الخطر.

كم هو مؤلم أن كثيرين لم يعودوا يسألون: ماذا نقدّم لوطننا؟ بل أصبح السؤال: ماذا سيقدّم وطننا لنا؟ كيف ننتظر من وطنٍ أن يمنحنا، ونحن نسلبه كل يوم وقتنا وصحتنا وطاقتنا ومستقبل أبنائنا؟

نحن اليوم، في الحقيقة، لم نعد أمام ظاهرة عابرة، وإنما أمام مجتمع يهرب من واقعه بدل أن يواجهه. مجتمع يداوي همومه بالهروب إلى القات، بينما الوطن ينهار بصمت. فحين نقضي، كآباء، أفضل ساعاتنا بعيدًا عن أسرنا، ويكبر أبناؤنا وهم يعتقدون أن السعادة تُشترى بورقة قات، فإننا لا نخسر وقتًا فقط، بل نخسر جيلاً كاملاً قبل أن يبدأ.

أُسَرُنا تتفكك، وأحلامُنا تتبخر، وشبابُنا يُسرق مستقبله بصمت، ومجتمعُنا يسير بلا أمل ولا اتجاه. والوطن لا يسقط فجأة، بل يسقط حين نتخلّى عن مسؤوليتنا تجاه أنفسنا، وتجاه أبنائنا، وتجاه مستقبلنا.

الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالوعي، وبالوقت الذي نعطيه لأبنائنا، وبالقدوة التي نصنعها لهم، وبالقرار الشجاع أن نواجه الخطأ ونسمّي الأشياء بمسمياتها دون مجاملة أو تبرير.

إن إنقاذ اليمن يبدأ من داخل كل بيت، من داخل كل أب وأم، ومن داخل كل شاب يقرّر أن مستقبله أغلى من عادة تسرق عمره يومًا بعد يوم.

حين أدرك ماو تسي تونغ أن الأفيون لم يعد مجرد عادة، بل أصبح خطرًا يهدد بقاء الأمة الصينية، لم يتعامل معه كمسألة شخصية يتركها للناس، بل اعتبرها معركة وطن. وبعد حروب الأفيون أدرك الصينيون أن الإدمان يمكن أن يهزم أمة كاملة قبل أن تهزمها الجيوش، فتم اجتثاث الأفيون لأنه كان يسرق مستقبل الشعب، لا لأنه مجرد نبتة. واليوم، وفي غياب الدولة وتلاشي المؤسسات، يجب أن يكون داخل كلٍّ منا ماو تسي تونغ، ونحن نرى القات يسرق وقت الإنسان اليمني وصحته وطاقته ومستقبل أبنائه. يحق لنا أن نسأل: هل نتعلم من تجارب الشعوب التي أنقذت نفسها، أم نظل نبرّر ما يدمّرنا بصمت؟

فلننتبه قبل أن نصحو على جيلٍ لا يعرف سوى الهروب، ولا يؤمن بمستقبل، ولا يملك الأمل الذي تُبنى به الأوطان.

اللهم أصلح شبابنا، واحفظ أسرنا، وأعد لهذا الوطن قوته، وللمجتمع تماسكه ووعيه.