كيف ستؤثر الحرب ضد إيران على مسار الصراع في اليمن؟ (تحليل)
لا شك أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستؤثر على مختلف ملفات الصراع في المنطقة المرتبطة بالمحور الإيراني، ويأتي في مقدمتها الصراع في اليمن المستمر منذ 11 عاما، كون إيران تمثل الداعم الرئيسي للحوثيين بالسلاح والمال والنفط المجاني والخبراء العسكريين، مما مكنهم من تهديد الملاحة الدولية ودول الجوار وترسيخ نفوذهم في المحافظات التي يسيطرون عليها.
لقد وصلت أزمة إيران مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي إلى نقطة اللاعودة، ويعني ذلك أن الحرب على طهران قد تستمر مدة طويلة حتى تحقق أهدافها الرئيسية أو ستتوقف مؤقتا للتخفيف من الخسائر التي تلحق بالاقتصاد العالمي والاستعداد لجولات أخرى من العمليات العسكرية حتى تحييد الخطر الإيراني عن مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة.
وفي كل الأحوال، فإن خسائر إيران وتراجع نفوذها الإقليمي سيؤثر على المليشيات الطائفية التابعة لها في الإقليم، أي أن كل خسارة تتكبدها إيران هي في المحصلة خسارة للمليشيات الموالية لها وستنعكس على وضع كل منها في البلد الذي تهيمن فيه.
ماذا سيخسر الحوثيون؟
صحيح أن العلاقة بين إيران والحوثيين لم تبدأ بالعمق نفسه الذي يربط إيران ببعض حلفائها في المنطقة، مثل حزب الله اللبناني، إلا أنها تطورت تدريجيا خلال السنوات الأخيرة بعد انقلاب مليشيا الحوثيين على السلطة الشرعية والسيطرة على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، حينها أعلنت طهران أن الإمبراطورية الفارسية عادت بعد سقوط رابع عاصمة عربية بيد مليشياتها.
ومع تصاعد الصراع في اليمن وطول أمده، ظلت إيران تقدم الدعم للحوثيين بسخاء، رغم بعد المسافة الجغرافية وصعوبات تهريب الأسلحة، فزودت الحوثيين بالأسلحة والتقنيات العسكرية والخبراء العسكريين والدعم اللوجستي، وقد انعكس ذلك بوضوح في تطور القدرات العسكرية للحوثيين، خصوصا في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية التي استخدمتها المليشيا في تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
وقد منح الدعم الإيراني المستمر مليشيا الحوثيين قدرة أكبر على ترسيخ نفوذها في المحافظات التي تسيطر عليها، وتهديد دول الجوار، فضلا عن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، الأمر الذي جعل الدعم الإيراني لها أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في مسار الصراع اليمني.
ولذلك فإن أي تراجع في قدرة إيران على تقديم هذا الدعم سيؤدي بلا شك إلى تقليص الإمكانات التي يعتمد عليها الحوثيون في إدارة الصراع، سواء على مستوى تزويدهم بالتقنيات العسكرية المتطورة أو على مستوى الدعم المالي واللوجستي. كما أن انشغال إيران بمواجهة تحديات داخلية وخارجية متزايدة سيدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، وهو ما قد يقلل من مستوى الاهتمام الذي توليه للساحة اليمنية.
ومع ذلك، فإن تأثير إضعاف إيران على مليشيا الحوثيين قد لا يظهر بشكل فوري، فالمليشيا ربما تمكنت خلال سنوات الحرب من بناء قدرات محلية وتطوير بعض الإمكانات العسكرية الخاصة بها بمساعدة خبراء إيرانيين، لكن من المرجح أن يؤدي تراجع الدعم الإيراني، إذا حدث، إلى إبطاء وتيرة هذا التطور، وبالتالي تقليص هامش المناورة الذي تمتعت به المليشيا الحوثية في إدارة الصراع خلال السنوات الأخيرة.
كما أن تشديد الرقابة الدولية على طرق الإمداد المحتملة سيزيد من صعوبة وصول الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة للحوثيين، الأمر الذي سيحد من قدرتهم على تطوير ترسانتهم العسكرية كما كان الحال في السنوات الماضية.
الحوثيون وحسابات الداخل
ورغم العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وإيران، لكن هذه العلاقة ستشهد اختبارا صعبا في حال طلبت طهران منهم الانخراط الفعلي في الحرب إلى جانبها، سواء عبر استهداف الكيان الإسرائيلي لتشتيت دفاعاته الجوية، أو عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر وإغلاق مضيق باب المندب لزيادة الأعباء على الاقتصاد العالمي كنوع من الضغط لإنهاء الحرب وتحسين شروط طهران التفاوضية.
ففي حال طلبت إيران من الحوثيين الانخراط الفعلي في الحرب، فإن استجابتهم أو عدمها ستنطلق من حساباتهم الداخلية، ولذا فإن موقفهم المتريث حتى الآن رغم انخراط حزب الله اللبناني والمليشيات العراقية في الحرب لا يعكس ما يقال إن إيران تدخرهم إلى وقت لاحق وفق تصعيد تدريجي للرد يتناسب مع طبيعة الضربات التي تتعرض لها، ذلك أن الضربات الموجعة التي تتعرض لها، وما تتكبده من خسائر يومية على مستوى القيادات والبنية التحتية المدنية والعسكرية، تنتفي معها حسابات الرد المتدرج أو ترشيد استخدام مليشياتها، وإنما يعكس ذلك التريث مأزق الحوثيين الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة معقدة تتعلق بكيفية إدارة موقفهم في هذه المرحلة.
وفي الحقيقة، لا يُعرف بعد طبيعة النقاشات الدائرة حاليا بين الحوثيين وإيران، ومن المحتمل أن هناك خلافات بين الطرفين تتعلق بانخراط الحوثيين في الحرب من عدمه، فإيران شكلت ودعمت المليشيات الطائفية في المنطقة ضمن سياسة "الردع المتقدم" لتكون تلك المليشيات حائط الصد الأول ضد أي هجوم تتعرض له أراضيها، وليس التعامل معها كأوراق ضغط مؤجلة ولم يتم تفعيلها حتى عندما اقتضت الحاجة الماسة ذلك.
والاحتمال هنا أن إيران طلبت من الحوثيين الانخراط في الحرب إلى جانبها، لكنهم يحاولون إقناعها بالتريث والبحث عن مبررات لاستهلاك الوقت وعدم إغضابها، أو أنهم يحاولون إقناعها بأن وضعهم العسكري صار في حالة من الضعف ولم يعد بإمكانهم الانخراط في حرب أكبر من قدراتهم، مع أن إغلاق مضيق باب المندب لا يتطلب سوى إصدار بيان تحذيري للسفن التجارية من المرور عبره، والتلويح باستهداف أي سفينة تقترب منه، لكن المليشيا الحوثية تخشى تبعات ذلك.
أما في حال أن إيران كانت قد طلبت من الحوثيين الانخراط الفعلي في الحرب وشددت على ذلك وهم رفضوا أو فضلوا التريث لوقت أطول، فإن ثقتها بهم ستهتز، وسيؤثر ذلك على العلاقة بين الطرفين مستقبلا، إذ قد تنظر طهران للحوثيين كحليف غير موثوق به ولا يستحق استمرار الدعم، خصوصا في حال ثبت عدم إخلاصه لها في وقت الشدة، وهنا سيكون الحوثيون بين خيارين أحلاهما مر: الانخراط في الحرب قد يفتح عليهم أبواب الجحيم وسيضعف وضعهم الداخلي، وعدم الانخراط فيها سيغضب إيران وقد يتسبب بحرمانهم من دعمها لهم مستقبلا.
لقد تكبد الحوثيون خسائر كبيرة خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي تعرضوا لها العام الماضي، بدليل انصياعهم لاتفاق مع واشنطن بوقف تهديداتهم للسفن التجارية في البحر الأحمر مقابل وقف الهجمات الأمريكية ضدهم، وقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينها بأن الحوثيين هم من طالبوا بالاتفاق على وقف إطلاق النار.
ويعكس ذلك تكبد الحوثيين خسائر كبيرة وعدم قدرتهم على تكبد مزيد من الخسائر، ولذا فهم يخشون الآن الانخراط مجددا في أي مواجهة عسكرية غير متكافئة كي لا يتكبدوا خسائر كبيرة مجددا من شأنها التأثير على معادلات الصراع في الداخل وإضعافهم أمام خصومهم، ففضلوا الحذر والتريث لشعورهم بأن ميزان القوى الإقليمي يتجه نحو إضعاف حليفهم الرئيسي (إيران).
وبين خياري الانخراط في الصراع من عدمه، يظل سلوك مليشيا الحوثيين مرهونا بالعديد من العوامل، من بينها طبيعة التطورات العسكرية في الحرب على إيران، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، والأهم من ذلك حسابات المليشيا الداخلية المرتبطة بالحفاظ على نفوذها ومكاسبها التي حققتها خلال السنوات الماضية.
تحول المزاج الإقليمي ضد الحوثيين
أظهرت الحرب الحالية مدى السلوك العدواني لإيران تجاه دول الجوار، مما سيزيد من منسوب العداوة وعدم الثقة بإيران ومليشياتها في المنطقة، وهو ما يدركه الحوثيون، ذلك أن انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران قد يفرض عليهم استهداف المنشآت الحيوية في السعودية وغيرها من دول الخليج في حال طلبت إيران منهم ذلك.
وحتى في حال لم ينخرط الحوثيون في الحرب، فإن استهداف إيران للمنشآت الحيوية في دول الخليج أحدث شرخا كبيرا في حسابات الثقة، من شأنه أن يزيد من منسوب العداء الإقليمي لمليشيا الحوثيين، وعدم التعامل معها هي وإيران كشركاء موثوقين في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وتعزيز قناعة مفادها أن استمرار وجود مليشيا الحوثيين على الحدود الجنوبية للسعودية يمثل تهديدا دائما لا يمكن احتواؤه بالاتفاقات أو الصفقات السياسية.
كما أن نجاح السعودية وبقية دول الخليج في التصدي للهجمات الإيرانية سيفقد مليشيا الحوثيين ورقة ابتزاز كانت تعتقد أنها فعالة، فقد كانت ورقة تهديد المنشآت النفطية خلال السنوات الماضية من أبرز أدوات الضغط التي اعتمد عليها الحوثيون لتحييد دور إقليمي فاعل ضد مشروعهم في اليمن، لكن الهجمات الإيرانية المباشرة على دول الخليج غيرت هذه المعادلة، وأفقدت ورقة الابتزاز الحوثية قيمتها لأسباب عدة.
ومن أهم تلك الأسباب أن دول الخليج خاضت تجربة فعلية في التصدي لهجمات من هذا النوع (مسيرات، صواريخ باليستية)، وصار لديها أنظمة دفاع جوي متكاملة، مما أكسبها خبرة في التصدي لمثل تلك الهجمات، وإدارة مواجهات عسكرية متقدمة.
وهذه الخبرة يمكن توظيفها في الساحة اليمنية، ليس فقط لردع الهجمات الحوثية، وإنما لدعم خيارات الحسم العسكري ضد المليشيا، وتصفية "الوكيل" لمنعه من أن يكون ورقة ضغط قوية مستقبلية في يد إيران، بعد أن كشفت الحرب الحالية مدى السلوك العدواني الإيراني تجاه دول الجوار، رغم أنها لم تنخرط في الحرب ضد إيران، وبعضها تربطها بها علاقات تجارية، وأخرى وقعت معها اتفاقيات، مثل اتفاق المصالحة السعودية الإيرانية برعاية صينية.
خصوصيات الصراع في اليمن
ومهما كانت نتائج الحرب الحالية على إيران، فيجب عدم إغفال أن الصراع في اليمن ظل مساره يمضي وفق اعتبارات كثيرة منذ 11 عاما، من أهمها التخاذل والانقسامات وعدم الجدية في إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة.
بمعنى أن الدعم الإيراني للحوثيين لم يكن هو الحاسم في مسار الصراع، وإنما شكل عاملا مساعدا للحوثيين الذين يتغذى استمرار سلطتهم الانقلابية من انقسامات القوى المناهضة لهم وعدم جديتها في إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.
فالحوثيون اعتمدوا على السلاح المنهوب من مخازن الجيش الرسمي وعلى السلاح المقدم لهم من إيران لتثبيت سيطرتهم وملء الفراغ الذي تُرك لهم، ومن الملاحظ أن معظم المحافظات التي يسيطرون عليها حاليا إما تم تسليمها لهم سلميا دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، أو سيطروا عليها بفعل تواطؤ وخيانات وعدم تحرك الجيش الرسمي للدفاع عنها، وتعد محافظة عمران نموذجا على ذلك. كما أنه لم يسبق للحوثيين تحقيق النصر في أي معركة هجومية أو دفاعية في جبهات الداخل، باستثناء جبهات محدودة كانت هشة أو مهملة.
وبما أن ميراث الانقسامات التي زرعتها دولة الإمارات بدرجة رئيسية ما زال قائما، وبحاجة إلى وقت وجهد لإزالته، فإن استمرار الدعم الإيراني للحوثيين من عدمه لا يشكل العامل الحاسم في إنهاء الانقلاب الحوثي، لأن الحوثيين يستمدون بقاءهم من انقسامات خصومهم، وفي حال توحدت مختلف القوى الوطنية واتجهت صوب معركة إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، فإن المعادلة ستتغير تماما.
غير أن تراجع الدعم الإيراني، في حال أدت الحرب الحالية إلى إضعاف النظام هناك، من شأنه تقليل كلفة إنهاء الانقلاب الحوثي، وهذا بعكس استمرار الدعم الإيراني على الوتيرة نفسها، لأن تراكمه لسنوات إضافية سيجعل كلفة إنهاء الانقلاب الحوثي باهظة.
مع الأخذ في الاعتبار أنه حتى في حال تراجع الدعم الإيراني، فإن مليشيا الحوثيين لن تنهار تلقائيا، لأنها استوعبت جزءا من الخبرة والدعم الذي تلقته خلال السنوات الماضية، مما يمنحها قدرات محدودة على الاحتفاظ بإمكانياتها العسكرية.
في المحصلة، من شأن إضعاف النفوذ الإيراني وتراجع الدعم العسكري للحوثيين خلق فرص جديدة لحلحلة الصراع في اليمن، سواء عبر الضغوط والتسويات السياسية، أو طي الخلافات وخوض معركة الحسم لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة.
لكن هذه الفرص تبقى مشروطة بالعديد من العوامل، منها قدرة القوى الوطنية على طي الخلافات والتوافق على رؤية مشتركة لاستعادة الدولة سلما أو حربا، فإضعاف إيران سيجعل المرحلة المقبلة حاسمة لتحديد مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.