حين يجرؤ الخصوم: هرمز واختبار تآكل الهيمنة الأمريكية
ثمة مفارقة في صميم مفهوم الهيمنة: القوة العظمى لا تُختبر حين تفشل في الحرب بل حين يجرؤ أحدهم على خوضها معها . بمعنى آخر اختبار “باكس أمريكانا” لا يقيس قوة أمريكا العسكرية إنما يقيس قدرتها على منع الآخرين من اختبارها أصلاً . وإذا فُتح باب الاختبار فذلك وحده أول دليل على تآكل الهيمنة قبل أن تُطلق رصاصة واحدة . من هذه الزاوية يكتسب مضيق هرمز أهمية تتجاوز جغرافيته . فهو ليس مجرد ممر تعبر عبره ناقلات النفط بل هو المكان الذي يُراهن فيه خصوم واشنطن على أن نظامها العالمي أصبح أكثر هشاشة مما تُعلن . وهذا هو الاختبار الحقيقي .
سقوط “ردع السمعة” فحين تتحول القوة المفترضة إلى تساؤل حيث الردع الأمريكي لم يقم يوماً على الاستعداد لخوض كل الحروب بل على إقناع الخصوم بتكلفة المجازفة . وهذا الإقناع هو جوهر ما يُعرف بـ”ردع السمعة” : أن يصدّق الطرف الآخر أن واشنطن ستتدخل ، وأن تدخلها مؤلم ، وأن حسابات الربح والخسارة تُرجّح الامتثال لا المواجهة . المشكلة أن هذا الردع هشّ بطبيعته: حين يُشكَّك فيه يتضخم الشك أسرع من القدرة على تصحيحه . ومضيق هرمز هو النقطة التي يُراهن فيها التحدي الإيراني على هذا الشك تحديداً . فإذا نجحت طهران في تعطيل الملاحة ولو مؤقتاً وردّت واشنطن ببطء أو بتكلفة سياسية عالية سبقرأ بوصفه دليلاً على أن الردع انتقل من "مفترض" إلى "مشكوك فيه". وهذا التحول في الإدراك هو أشد فتكاً من أي خسارة ميدانية .
التفوق البحري الأمريكي بُني على سيطرة المساحات المفتوحة: أساطيل تمشط المحيطات وحاملات طائرات تُسقط قانون القوة في كل كتلة جغرافية بعيدة عن الشواطئ . لكن في بيئات "نقاط الاختناق" كهرمز تتبدّل معادلات هذا التفوق . ليس لأن أمريكا فقدت قدرتها على العمل في هذه البيئات بل لأن ثمن العمل فيها _زمنياً وسياسياً_ بات مرتفعاً بما يكفي لزعزعة الردع . الألغام البحرية والمسيّرات المنخفضة التكلفة والزوارق السريعة ، أدوات غير متكافئة في ميزانياتها لكنها متكافئة في قدرتها على تعطيل الممرات . وهذا “التكافؤ اللامتكافئ” هو المصدر الحقيقي لقوة التحدي الإيراني: لا يسعى إلى هزيمة الأسطول لكن إلى رفع تكلفة تشغيله بما يُشكّك في جدواه .
هل نحن في أزمة قابلة للاحتواء أم في لحظة تحول نظامي؟ السؤال الذي يطرحه مضيق هرمز في حقيقته ليس سؤالاً عسكرياً . إنه سؤال عن طبيعة اللحظة الراهنة في مسيرة النظام الدولي: هل ما نشهده أزمة عابرة ضمن نظام صامد؟ أم أنه بداية التصدّع البنيوي لنظام لم يعد يستطيع تجديد شرعيته بالقدر الكافي؟ لا إجابة قاطعة ممكنة الآن لكن الأطروحة الاستراتيجية التي ينبغي أخذها بجدية هي هذه: “باكس أمريكانا” لا تنهار باجتياح عسكري صريح بل بتراكم الاختبارات الصغيرة التي لا تنتهي بهزيمة كاملة إنما بتعوّد الأطراف على أن كُلفة الاختبار قابلة للتحمّل . وحين تصل الأمور إلى هذا الحد يكون الردع قد تآكل في الوقت الذي كان لا يزال يبدو قائماً .
وفي نهاية المطاف ما يجعل هرمز اختباراً بامتياز ليس حجم ما قد يحدث فيه ، بل ما سيُقرأ في ضوئه: هل لا تزال أمريكا قادرة على فرض النظام ، أم أنها أصبحت تدير فوضى لا تستطيع ضبطها؟